Ramadan R Code

facebooktwitteryoutubersssiteregister

اللون الاحمر اللون الأزرق اللون الأسود اللون الأخضر اللون الوردي اللون البحري اللون الرمادي

انضم لمتآبعينا بتويتر ...

آو انضم لمعجبينا في الفيس بوك ...
قديم 26-01-2013, 08:01 PM   #1 (permalink)
† خادمة منتدى افامينا †
 
الصورة الرمزية avamena
3g كتاب تأملات في حياة القديس الانبا انطونيوس للبابا شنودة الثالث


كتاب تأملات في حياة القديس


لتحميل الكتاب اضغط هنا

لقراءة الكتاب تابعوا معنا

كتاب تأملات في حياة القديس أنطونيوس - البابا شنوده الثالث

1- مقدمة
كتاب تأملات في حياة القديس

كانت كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا هي الفرع الرئيسي، الذي أقوم فيه بخدمة التربية الكنسية قبل سيامتي راهبًا...

فلما شاء الله أن أنزل للخدمة، كان من الطبيعي أن أدعى من هذه الكنيسة، لألقى كلمة عن القديس الأنبا أنطونيوس، في الأسبوع الروحي الذي تقيمه هذه الكنيسة كل عام بمناسبة عيد الأنبا أنطونيوس، في 22 طوبة (آخر يناير).

وهذا الكتاب ثمرة عدة محاضرات، ألقيت في كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بشبرا. وكان يحيرني في كل عام، اختيار الموضوع الذي أقوله، وقد غطى المتكلمون قبلي جميع النقاط! وأتذكر أنني قلت لشعب الكنيسة في أحد أعياد الأنبا أنطونيوس: أن القديس الأنبا أنطونيوس له فضائل عديدة. ولعلكم قد سمعتم الكثير عنه في حفلاتنا التي تقام في الكنيسة كل عام... وفى طريقي في هذه الليلة إلى ههنا، كان يجلس معي في العربة الأب الموقر القمص إبراهيم عطية. فقلت له:

لست أدرى عن آي شيء أحدث الناس في هذه الليلة، فقد سمعوا كثيرًا عن الأنبا أنطونيوس، وليس من جديد؟!

كل عام يسمعون كل شيء عن الأنبا أنطونيوس، أو يُخَيَّل لنا أن كل شيء قد قيل.

فما هو الجديد الذي يمكن أن يقال لهم عن الأنبا أنطونيوس؟ لست أعلم.

فأجابني.. أن المياه يشربها الناس كلهم، ولا يسأمونها أبدًا.

فقلت: ولكن المياه لا يشربها العقل. أن المعدة لا تسأم الشيء المتكرر، أما العقل فيسأمه. لو كان العقل يشرب الماء باستمرار، لتبرم منه..

حقا، ماذا نقول عن الأنبا أنطونيوس؟

ولعلني أكون قد اخترت بعض النقاط التي لم يتعرض لها المتكلمون.

هذه أقدمها لك أيها القارئ المحبوب، في هذا الكتاب.



شنوده الثالث


يتبع



 





التوقيع:

منتدى افامينا مطران جرجا المتنيح




  رد مع اقتباس
قديم 26-01-2013, 08:03 PM   #2 (permalink)
† خادمة منتدى افامينا †
 
الصورة الرمزية avamena
افتراضي

2- في كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا

يسرني أن أحضر معكم هذه الليلة، لنحتفل بعيد أبينا القديس العظيم الأنبا أنطونيوس

في الحقيقة أنني عندما أدخل هذه الكنيسة، ينتابني شعور مخالف لشعوري في أية كنيسة أخرى.

فربما أذهب إلى كنيسة أخرى، ككاهن، أو كراع، أو كأسف.. ولكنني عندما آتى إلى هذه الكنيسة، أتذكر باستمرار أنني أبن وتلميذ.. فقد تتلمذت في هذا المكان المبارك، وفى هذه الكنيسة المقدسة، وكل شبر فيها له في قلبي ذكريات مقدسة.

أحببنا جميعا أسم القديس الأنبا أنطونيوس:

حتى أن كل فصول مدارس الأحد التي كنت أقوم بالتدريس فيها في كنائس أخرى، كانت تحمل أسم الأنبا أنطونيوس أيضًا.. وعندما دخلت في الحياة الرهبانية، اخترت أسم الراهب أنطونيوس ليكون أسمى في الرهبنة.

وعندما وضعني الله في هذه المسئولية، ظللت محتفظا بمحبتي لهذا الاسم المبارك.


فأول كاهن قمت برسامته، كان على أسم أنطونيوس أيضًا، وهو من أبناء وأساتذة هذه الكنيسة. أنه القمص أنطونيوس راغب حاليًا.

وتخرج من هذه الكنيسة كثيرون رسموا باسم أنطونيوس:

منهم القمص أنطونيوس يونان بالمنصورة، والقمص أنطونيوس باقي نبح الله نفسه. والقمص أنطونيوس فرج (في لندن). كما قمت بسيامة القس أنطونيوس حنين (فى لوس أنجلوس) والقمص أنطونيوس ثابت بالإسكندرية.


وقد أشترينا أربعين فدانًا في ضواحي لوس أنجلوس بأمريكا، أقيم عليها دير باسم القديس أنطونيوس. وأول كنيسة أسسناها في أمريكا أيامي، كانت على أسم العذراء والقديس أنطونيوس في منطقة كوينز.

أيضا أول أسقف سيم لنا في أفريقيا، كان باسم الأنبا أنطونيوس مرقس. وأول كنيسة ودير أسسناهما في نيروبي بكينيا، باسم مار مرقس والأنبا أنطونيوس. كما أسسنا كنيسة في أستراليا باسم الأنبا أنطونيوس، وأخرى في ألمانيا بنفس الاسم. وكنيسة في مصر الجديدة باسم القديس جوارجيوس والأنبا أنطونيوس. وقمنا بسيامة كاهن فرنسي باسم القس أنطونيوس، وعددا آخر من الأباء الكهنة..

وأصبح أسم القديس الأنبا أنطونيوس يمثل في قلوبنا فكرة ومبدأ وروحانية خاصة، تهتز له قلوبنا أينما ذهبنا.

كما أصبح لنا مركز قبطي في فرانكفورت بألمانيا، ودير باسم الأنبا أنطونيوس أيضًا.

يتبع


التوقيع:

منتدى افامينا مطران جرجا المتنيح




  رد مع اقتباس
قديم 26-01-2013, 08:06 PM   #3 (permalink)
† خادمة منتدى افامينا †
 
الصورة الرمزية avamena
افتراضي

3- محبتنا للقديسين وإكرامنا لهم

اليوم في عيد الأنبا أنطونيوس، أتأمل معكم إكرام كنيستنا للقديسين. في الواقع أن كل أبناء الكنيسة القبطية يحبون القديسين محبة كبيرة، ربما لا توجد في أية كنيسة أخرى.

انظروا إلى أعياد القديسة العذراء مثلا، وأعياد مار جرجس، وأعياد الملاك ميخائيل، والأنبا أنطونيوس، والقديسة دميانة، والأنبا رويس والأنبا بيشوى، والأنبا موسى الأسود، ومكسيموس ودوماديوس.. كم ترون في زحام الناس ومحبتهم وتشفعهم بالقديسين..!


كم من قديسين تركوا العالم، ولكن العالم لم يتركهم ولا نسيهم.

هم أمامنا في كل حين، نقابل حياتهم بوفاء عميق. وفاء نحو آباء عاشوا في غير زماننا. ولكنهم ما زالوا في قلوبنا وفى أفكارنا. أنها مشاعر وفاء، ومشاعر حب نحو الآباء.

وحب الآباء الروحيين فضيلة راسخة في أبناء كنيستنا. سواء الآباء الأحياء. أو الذين انتقلوا منهم.. نقابلهم جميعا بكل توقير لأبوتهم، ولحياتهم، وذكراهم. ولا يفهم الآباء خطأ، ما قد فهمه البعض من عبارة: "لا تدعوا لكم أبا على الأرض". فهذه العبارة قالها السيد المسيح للرسل الإثنى عشر فقط، لا لعامة الناس، على اعتبار أن الرسل وخلفاءهم ليس لهم آباء على الأرض. أما بقية الناس فلهم آباء.

يوحنا الرسول يقول: "يا أولادي، أكتب لكم هذا لكي لا تخطئوا" (1 يو 2: 1). وبولس يصف تيموثاوس بأنه "الابن الحبيب" (2تى 1: 2). وتيطس "الابن الصريح حسب الإيمان" (تى 1: 4). ويقول لفليمون: "أطلب إليك لآجل أبني أنسيموس الذي ولدته في قيودي" (فل 10). ويقول لأهل غلاطية "يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضا" (غل4: 19). ويقول لأهل كرونثوس" أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (كو 4: 14-17). وبطرس الرسول يقول: "مرقس أبني" (1بط 5: 13).

الأبوة الروحية موجودة إذن في الكنيسة ونحن نحب آباءنا.

وهناك رابطة كبيرة بيننا، وبين الذين في الفردوس.

رابطة بين أهل العالم الحاضر والأخر. وهذه الرابطة مستمرة. إكرام القديسين دليل على وجودها. فالله ليس إله أموات. وإنما إله أحياء.

ونحن نشعر أن هؤلاء القديسين ما زالوا أحياء، وأنهم يعيشون بيننا، ونتحدث إليهم تماما كما نتحدث إلى الأحياء.

يقف إنسان أمام أيقونة العذراء أو مار جرجس أو الأنبا أنطونيوس، ويطلب، ويتكلم في دالة، ويعاتب أيضًا.

نحن لا نشعر إطلاقا أن القديسين قد فارقوا عالمنا، أو انتقلوا منه أو انتهوا..! كلا، بل نشعر بوجودهم باستمرار.

ونذكرهم ليس في أعيادهم فقط، بل في كثير من صلواتنا.




القديس الأنبا أنطونيوس مثلًا، لا نذكره فقط في عيده، إنما يذكر في مجمع الآباء في كل قداسات الكنيسة. وليس فقط في القداسات، إنما أيضا في تسبحه نصف الليل كل يوم في الأبصلمودية، نذكره مع آبائنا جميعا..

نحن لا ننسى آباءنا أبدا،مهما نسى الغير آباءهم وأجدادهم. أنها كنيسة تتسم بالوفاء وحب الآباء.

وفى ذكرنا للقديسين وإكرامنا لهم، إنما نعلن إيماننا بالأبدية، وبأن الحياة لا تنتهي بالموت، وإنما لها امتداد بعد الموت..

لولا شعور كل واحد منا، بأن الأنبا أنطونيوس لا يزال حيًا يشفع فينا ويشعر بنا، ما كنا نحتفل به الآن، ونردد له الألحان..! أنحتفل بحفنة تراب؟ كلا،بل بحياة. إننا نحتفل بكائن حي، نثق بأن حياته مستمرة، في الأبدية. وهذا يعطينا أيضا ثقة، بأن حياتنا ستبقى مثل آبائنا..

وفى إكرامنا للقديسين، إنما أيضا نكرم الفضيلة، التي عاشوها.

الذين يكرمون رجال العلم، إنما يكرمون العلم أيضًا.. والذين يكرمون الأبطال، إنما يكرمون البطولة فيهم، والذين يكرمون الأذكياء، إنما يكرمون الذكاء ضمنا. كذلك الذين يحبون القديسين ويكرمونهم، إنما يحبون القداسة فيهم ويكرمونها..

نحن نحب القديسين، لأن في حياتهم صفات نحبها. والكنيسة في إكرامها للقديسين، إنما تكرم صفات القداسة في أشخاصهم. حينما نقرأ كتابا روحيا، نطلع على مبادئ وأفكار روحية.

أما في حياة القديسين، فنرى المبادئ الروحية ممثلة عمليًا.

ونثق أن الفضائل ليست أمورا نظرية، بل هي واقع ملموس، فنطمئن ونثق أن طريق الكمال ممكن التنفيذ...

وحياة قديس كالأنبا أنطونيوس تعلمنا أشياء كثيرة.

تعطينا فكرة كيف أن الإنسان يمكنه أن يكتفي بالله، ومعه لا يحتاج إلى آخر، ولا يعوزه شيء. بحيث يستطيع أن يترك الكل من أجل الرب، الذي يصير له الكل في الكل.

وتعلمنا سيرته أيضًا، كيف يمكن أن الإنسان يجلس وحده، فلا يمل ولا يسأم ولا يضجر، لأن قلبه مع الله في كل حين شبعان بالرب..

تعطينا حياته مثالا عمليا عن الصداقة مع الله، والعشرة مع الله، التي تملأ القلب وتملأ الفكر، وتملأ الحياة، فيقول مع المزمور: "معك لا أريد شيئا على الأرض". إنها حياة: "الانحلال من الكل. للارتباط بالواحد "آي ينحل من كل أحد،ومن كل شيء لكي يرتبط بواحد هو الله..

وما أكثر الفضائل التي نراها عمليا في حياة هذا القديس. في المعرفة، في الإفراز، في التواضع، في الهدوء والسكون. في الوحدة في محبة الله، أترى أنسانا يحوى كل هذا في حياته؟! لأجل هذا قلت لكم أن القديسين عينات ممتازة من البشر..

ومحبتنا وإكرامنا للقديس الأنبا أنطونيوس، تعنى أيضا محبتنا لحياة الصلاة والتأمل والنسك، التي اتصفت بها حياة الرهبنة.

لو لا إعجاب الناس بهذه الحياة النسكية والتأملية التي عاشها الأنبا أنطونيوس ما كانوا يبنون الكنائس والمذابح على أسمه، وما كانوا يرسمون له الأيقونات، ويقيمون له الأعياد.


وإكراما للقديسين يعنى أيضا لله نفسه...

لأنه قال: من يكرمكم يكرمني. ومن يقبلكم يقبلني.. ولأننا نحب الله، لذلك نحب أولاده الذين أحبوه...

والكنيسة في إكرامها للقديسين، وزعت أعيادهم على مدار السنة.

فى كل يوم من أيامنا، تحتفل الكنيسة بعيد أحد القديسين. أو بعض القديسين، لا يخلو يوم من تذكار قديس..

ونحن نحتفل بهؤلاء القديسين في أيام انتقالهم من هذا العالم، في يوم الوفاة أو يوم الاستشهاد، لأنه اليوم الذي أكمل فيه القديس جهاده على الأرض.. وكما قال الرسول: "انظروا إلى نهاية سيرتهم، فتمثلوا بإيمانهم" (عب13: 7).

هؤلاء القديسون الذين نحتفل بهم، إنما هم عينات ممتازة.

إن كل من يحيا حياة الإيمان؛ يسميه الكتاب قديسًا.

يكتب القديس بولس الرسول إلى: "القديسين الذين في أفسس" (أف 1: 1) وإلى: "جميع القديسين في المسيح يسوع الذين في فيلبى" (فى1: 1) ويختم رسالته إليهم بعبارة "يسلم عليكم جميع القديسين" (فى4: 22). ويكتب أيضا إلى:"القديسين الذين في كولوسي" (كو1: 2)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ويخاطب العبرانيين بقوله: "من ثم أيها الأخوة القديسون، شركاء الدعوة السماوية" (عب 3: 1). لأشك أن كل مؤمن، نزع الإنسان العتيق، ولبس المسيح في المعمودية(غل3: 27). وسكن فيه الروح القدس، وعاش في طاعة الرب؛ وفى ممارسة أسراره المقدسة، هو قديس.

لكننا هنا لا نتكلم عن القداسة العادية، إنما نقصد العينات الممتازة، التي ارتفعت روحيا فوق المستوى العادي كالأنبا أنطونيوس.

هؤلاء جاهدوا كثيرا لكي يصلوا إلى هذه القداسة. وكل جهاد لهم، إنما برهنوا فيه على محبتهم لله، وعلى أنهم مستعدون لبذل كل جهد من أجل الثبات في الرب.

وهذا لا يمنع من أن البعض ولدتهم أمهاتهم قديسين، أو كانوا في بطون أمهاتهم قديسين..


مثال ذلك يوحنا المعمدان الذي قيل عنه: "ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" (لو1: 15). والذي أحس بالمسيح في بطن مريم، فإرتكض يوحنا بابتهاج في بطن أمه فرحا بالمسيح (1: 43)..

ومثال ذلك أيضا أرميا النبي، الذي قال له الرب: "قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيا للشعوب" (أر 1: 5)

هذه عينات نادرة، مستوى عال وهبة من الله.

أما الأنبا أنطونيوس، فهو شاب ولد في أسرة عادية، غنية. ولكنه، وانتصر على عقبات كثيرة، حتى وصل.

يتبع


التوقيع:

منتدى افامينا مطران جرجا المتنيح




  رد مع اقتباس
قديم 26-01-2013, 08:09 PM   #4 (permalink)
† خادمة منتدى افامينا †
 
الصورة الرمزية avamena
افتراضي

4- القديس الأنبا أنطونيوس جاهد وأنتصر



لم يمتلئ بالروح القدس وهو في بطن أمه، كالقديس يوحنا المعمدان. ولكنه ولد كشاب عادى، من أسرة غنية. وكان المنتظر لمثله أن يرث أباه في غناه وسلطته، وأن يتزوج، ويعيش سعيدا في ظل الغنى والعظمة، ويكون ناجحا في حياته وكل الإمكانيات متوفرة.

ولكن الأنبا أنطونيوس جاهد لا لكي يستفيد من هذه الإمكانيات، وإنما لكي ينحل منها جميعا. وكيف كان هذا؟

1- نجح في اختبار "ما أعسر أن يدخل غنى إلى ملكوت الله" (مت19: 23). قال السيد المسيح هذا، أما الأنبا أنطونيوس، فأجابه: لا تحسبني يا رب من هؤلاء الأغنياء.أنني حسب وصيتك سأبيع كل مالي وأعطيه للفقراء وأتبعك فقيرًا.

والشاب الغنى أنطونيوس دخل الملكوت، وأدخل الآلاف معه....

حقا كان يملك المال، ولكن المال لم يكن يملكه..

كان هو السيد على المال، يصرفه كيفما شاء. ولم يسمح للمال أن يكون سيدا، يقوده في مسالك أخرى.

ولأن المال لم يملك قلبه، استطاع أن يتركه ويوزعه، ويمضى إلى الملكوت بدونه. وحينما كان الشياطين ينثرون الذهب أمامه على الرمل، ما كان يهتم به. كان كالحصى في نظره. وفقد المال قيمته في قلب الأنبا أنطونيوس، لأن قلبه كان منشغلا بما هو أثمن وأهم.

أذن المال في حد ذاته ليس هو الخطورة، وأنما الخطورة تكمن في محبة المال، والتعلق به والسعى وراءه، والاتكال عليه، والافتخار به.

2- وكما أنتصر الأنبا أنطونيوس على محبة المال، أنتصر أيضا على محبة الجاه والسلطة، فلم يهتم بأن يكون له مركز أبيه.

3- بل أنتصر على محبة العالم كله. ونفذ وصية: "لا تحبوا العالم والأشياء التي في العالم، لأن العالم يبيد وشهوته معه".

وصار الأنبا أنطونيوس قلبًا نقيًا خالصًا، وليس فيه شيء من شهوة المادة والجسد والملاذ الدنيوية المتنوعة.

كان قلبا مات تماما عن العالم وكل ما فيه.

4- وكما انتصر في كل هذه الميادين، أنتصر على محبته لأخته أيضًا، ونجح في تدبير مسئوليته من جهتها..




لوحة تصور اللقاء بين القديس الأنبا أنطونيوس المصري أب الرهبان، والقديس بولا المصري أول السواح، ونرى في الصورة الملائكة وهي تساعد أنبا بولا

كان يمكنه أن يقول: ماذا أفعل؟ أنا أريد الرب، ولكن ظروفي العائلية لا تساعدني، وأنا مسئول عنها..؟

كان يحب أخته، ولكن كان يحب الرب أكثر من أخته، لذلك أمكنه أن ينتصر. وأودع أخته في أحد بيوت العذارى، وشق طريقة نحو الله، منتصرا على هذه العقبة.


5- وفى أول جهاده، حاربه الشياطين بشكوك عديدة، فانتصر عليها.

شكوك من جهة صحة الطريق ذاته، وإمكان استخدام المال في أعمال الخير تحت إدارته وتصرفه.. وهكذا يوقعونه في التردد. ويحولونه من حياة الصلاة والتأمل إلى حياة الخدمة..

شكوك أخرى من جهة أخته ومدى اطمئنانه عليها.

شكوك ثالثة من جهة نجاحه في هذا الطريق، وقدرته على الاستمرار فيه... وشكوك عديدة أخرى لا حصر لها.

ولكن قلبه كان راسخا، لم يتزعزع إطلاقا أمام الشكوك.

6- صادفت الأنبا أنطونيوس عقبة أخرى هي الإرشاد، فانتصر عليها:

عاش وحيدا، بلا مرشد، بلا أب اعتراف، بلا كنيسة، بلا معونة من أحد. ولكنه انتصر على هذا كله أيضًا..

أخذ أولا من النساك الذين إلى حافة القرية. ولما دخل إلى الجبل، بدأ يأخذ من الله مباشرة. وأعطانا درسا أنه حيثما لا توجد معونات بشرية، فإن المعونة الإلهية لا تتخلى.

ومنح الله لهذا القديس إفرازا وفهما روحيا وحكمة لم تكن للذين تمتعوا بإرشاد من البشر.

7- ثم دخل الأنبا أنطونيوس في حرب أخرى وانتصر فيها، وهى حرب الرعب والخوف، في البرية القفرة المنعزلة..

لما وجد الشياطين أن المال والعظمة لا تهمه، وأن الأفكار والشكوك لا تزعزعه، وأن الشهوات لا تغلبه بدأوا معه حربًا عنيفة لإخافته. فكانوا يظهرون له في هيئة وحوش كثيرة، لها أصوات مخيفة عالية، تهجم عليه بقصد افتراسه. ولكن قلبه ما كان يخاف..

بل أنتصر على هذه المخاوف بوسائل ثلاث: الاتضاع، والفهم، والصلاة:

بالإتضاع كان يقول لهم: [أيها الأقوياء، ماذا تريدون منى أنا الضعيف أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم]. وكان يصلى قائلا: [أنقذني يا رب من هؤلاء الذين يظنون أنني شيء، وأنا تراب ورماد]. فلما كانوا يسمعون هذه الصلاة المملوءة اتضاعًا، كنوا ينقشعون كالدخان.

ومن جهة الفهم، كان يقول: [أنني أعجب لتجمهركم على بهذه الكثرة. ولو كنتم أقوياء حقا. لكان واحد منكم يكفى] وهكذا بالإيمان أيقن من ضعف الشياطين، وكان هذا الإيمان يخزيهم فيمشون..

وقد استعملوا معه طرق الإيذاء والضرب، وبخاصة حينما كان ساكنا في مقبرة، ولكنه صمد وكان يصلى مزمور "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب عاضد حياتي ممن أرتعب؟! إن يحاربني جيش فلن يخاف قلبي. وإن قام على القتال، ففي هذا أنا مطمئن".

مكان في أيمان عميق يقول لمهاجميه: [إن كان الله قد أعطاكم سلطانا على، فمن أنا حتى أقاوم الله؟! وإن كان الله لم يعطكم سلطانا على، فان يستطيع واحد منكم أن يؤذيني].

وهكذا عاش الأنبا أنطونيوس في حياة الإيمان، لا يخاف.

وفى كل مرة ينتصر، كان يزداد أيمانه، وينتزع منه الخوف بالأكثر، إلى أن زال منه الخوف تماما، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وقال أيضًا: [أنا لا أخاف الله،لآني أحب الله].

هذا هو رجل الجبال، جبار البرية الذي لا يخاف، حتى من الوحوش المفترسة، وحتى من الشياطين.

وبخبرته الروحية، استطاع فيما بعد أن يجمع تلاميذه، ويلقى عليهم كلمة عميقة عن ضعف الشياطين وعدم الخوف منهم. وقد سجل لنا القديس أثناسيوس الرسولى هذه الكلمة في كتابه عن حياة الأنبا أنطونيوس.

وفى انتصار الأنبا أنطونيوس وعدم خوفه، ظل محتفظا بتواضعه.

يشعر بضعفه، يصرخ إلى الله، فينقذه الله بقوته الإلهية.

قال الأنبا أنطونيوس: [في إحدى المرات أبصرت فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض كلها. فقلت يا رب من يفلت منها؟ فأجابني الصوت قائلا: "المتواضعون يفلتون منها"].

8- ولعل من مظاهر التواضع العملي في حياة الأنبا أنطونيوس، وعدم التشبث بفكره، أنه كان يخضع لفكر الآخرين أحيانًا.

ولا شك أن في انتصار من الإنسان على نفسه..

وسنضرب لهذا الآمر في حياة قديسنا عدة أمثلة:

أ- إنه أقتنع بحياة الوحدة ومارسها، وعاش 30 سنة مغلقًا على نفسه لا يرى وجه إنسان.. وأخيرا أزدحم الناس على بابه، مصرين أن يفتح لهم، وأن يصير لهم مرشدا. وكان ممكنا لهذا القديس أن يهرب من هؤلاء، حتى لو فتح لهم، وأن يتمسك بحياة الوحدة الكاملة التي أرادها لنفسه. ولكنه خضع لهم وتحول من متوحد

بالمعنى الكامل إلى متوحد ومعلم للوحدة. واضطر أيضا أن يفتح بابه لكثير من الزائرين. وغير شيئا من أسلوب حياته. لأجل الناس. وقبل الوضع الذي أراده له، وتنازل عما أراده لنفسه.


ب- في اعتقاده أن الرهبنة موت عن العالم، وبعد عن العالم، وحياة وحدة في البرية. ولكن لما طلب اليه الآباء الأساقفة أن ينزل ليعلن رأيه في الأريوسية، خضع لهم، ونزل إلى الإسكندرية، وسط جماهير الشعب، وقضى هناك ثلاثة أيام، أكمل فيها الرسالة المطلوبة منه، ثم عاد ملتمسا ديره...

كان من النوع المطيع (المهاود)،على الرغم من نزوله وقتذاك كان من حوالي المائة من عمره..

ج- ونزل قبل ذلك أيام الاستشهاد، وكان يذهب إلى حيث محاكمة الشهداء وتعذيبهم، ويشجعهم ويقويهم.

في تواضعه، انتصر على التطرف، وعلى التحجر والجمود عند فكر معين. أعطاه التواضع مرونة وسهولة في التعامل..

9- وإنتصاره على التطرف، جعله معتدلا في حياته، يسير بإفراز وحكمة، سواء مع الناس، أو مع نفسه أيضًا.

أ‌- قال عنه القديس الأنبا أثناسيوس، إنه لما خرج من وحدته وحبسه لمقابلة الناس، ما كان نحيفا جدا بسبب النسك، ولا كان بديلًا مترهلًا بسبب قلة الحركة في حبسه. إنما كان معتدلا في قامته، لأنه كان يسلك في وحدته باعتدال وعدم تطرف.

ب‌- وظل الإفراز من أولى الفضائل التي يحبها، حتى أنهم حينما سألوه عن أهم الفضائل، قال لهم الإفراز، أي الفهم والتميز والحكمة في التصرف.. وقال أنه هناك من صاموا وصلوا وسكنوا البرية، وهلكوا،لأنهم تصرفوا بغير إفراز.

أما هذا القديس فقد كان يسلك بفهم واتزان وحكمة وتمييز، بعكس الرهبان الذين يتطرفون في أي قانون من قوانين الرهبنة، حتى يخرجهم تطرفهم ليس فقط عن مبادئ الحياة الرهبانية، إنما أيضا عن مبادئ السلوك الروحي عمومًا..

ج- وفى انتصاره على التطرف، انتصر على التزمت أيضا:

ولذلك كان بشوشا باستمرار، وجهه يفيض بالسلام على الآخرين، فاشتهى تلاميذه مجرد النظر إلى وجهه. وكان كل من ينظر إلى وجهه يمتلئ بالسلام. وهكذا أنتصر القديس أنطونيوس على حرب الكآبة التي يقع فيها رهبان كثيرون، ولا يوجدون أمامهم في الكتاب المقدس سوى عبارة: "بكآبة الوجه يصلح القلب" ناسين الآيات التي تقول: "أفرحوا في الرب كل حين"،"فرحين في الرجاء".. فحياتهم في الرهبنة كلها عبوسة..!

أما الأنبا أنطونيوس، فلم يكن هكذا. كان بشوشا ولطيفا. ومع ذلك فيه كل فضائل الرهبنة. يحيا في وحدة وفى صمت. وإذا ألتقي بالناس، يلتقي بهم في سلام وحب، يعطى فكرة عن المتدين السعيد بتدينه، الذي تنظر إلى وجهه فتتعلم الهدوء والسلام والبشاشة والطمأنينة واللطف.

كان صاحب وجه مريح..

يتبع


التوقيع:

منتدى افامينا مطران جرجا المتنيح




  رد مع اقتباس
قديم 26-01-2013, 08:12 PM   #5 (permalink)
† خادمة منتدى افامينا †
 
الصورة الرمزية avamena
افتراضي

5- القديس أنطونيوس كأب لفكرة وطريق، وأب لمنهج روحي جديد



القديس الأنبا أنطونيوس له فضائل وميزات عديدة، لعلكم سمعتموها من قبل لذلك أتحير في كل سنة، عن آي شيء أخاطبكم. ولكن لعل من الأشياء التي نذكرها في مقدمة ميزات هذا الإنسان البار، أنه أحد الأوائل.



أقصد أنه واحد من الذين شقوا طريقا جديدا، طريقا صعبا وجميلا، لم يسبقه إليه أحد من قبل.

رهبان كثيرون ملأوا الدنيا آلاف وملايين. لكنه كان أول راهب في العالم، له مكانته، لأنه أول من سار في الطريق، وأول من وضع نظمه وأسلوب حياته، وأول من شرحه للناس وعرفهم به.

تماما كما نقول مثلا أن كثيرين كتبوا عن لاهوت السيد المسيح. لكننا نذكر القديس أثناسيوس الرسولي كأول لاهوتي كبير، ألف، ورد على الأريوسية في هذا المجال..

وكثيرون كرزوا باسم السيد المسيح في أرض مصر. لكننا نذكر أسم القديس مار مرقس، لأنه أول من كرز فيها، ولم يسبقه في ذلك أحد من قبل.

إن الأوائل الذين بدأوا الطريق،لهم مكانتهم.

كلنا، إن سرنا في طريق الرهبنة، إنما نتبع أقدام القديسين الأوائل، وكما ساروا نسير. أما القديس الأنبا أنطونيوس، فحينما شق طريقه في الرهبنة لم تكن هناك أقدام سبقته في هذا المجال من قبل.

إنه أب لطريق،بل أب لأصعب طريق، طريق الموت عن العالم، طريق التجرد الكامل عن كل شيء.

وقد سار في هذا الطريق وحده،لما بدأ..

عظمة الأنبا أنطونيوس، أنه لم يوجد أحد يقوده ويرشده في الرهبنة بل هو الذي قاد وأرشد الكل.

كل من يترهب حاليًا، آباء ومرشدين، يشرحون له كيف يبدأ، وكيف يتدرج وينمو. ويحكون له أسرار الحياة الرهبانية وأعماقها وطقسها، ويظهرون له حروب وحيل الشياطين، وكيفية الانتصار عليها.. ويمسكون بيد هذا المبتدئ، ويقودونه خطوة خطوة، حتى يصل..

أما الأنبا أنطونيوس فلم يجد له مرشدا، وسار وحيدا.

يقول الكتاب: "اثنان خير من واحد لأنه إن وقع أحدهما، يقيمه رفيقه. وويل لمن هو وحده إن وقع، إذ ليس ثان ليقيمه" (جا 4: 9،10).

وكان الأنبا أنطونيوس وحده، ولكن لم يقع..

سار وحده في طريق الرهبنة، بلا أب، بلا مرشد، بلا زملاء في الطريق، بلا تعزية من أي إنسان. بل أيضا بدون الوسائط الروحية المتاحة للجميع، بلا كنيسة.. بلا شيء يسنده في الغربة والقفر والوحدة والحروب..

سوى إيمانه بأن الله معه.

ومع ذلك لم يستصعب الطريق، بل سار وحده، ومعه الله.

لهذا نحن نكرم الأنبا أنطونيوس.. وكل الذين يترهبون الآن، مهما ارتفعوا، لا يمكن أن يصلوا إلى درجة هذا القديس فعلى الأقل الدفعة أتتهم من الخارج. هناك من تابعوهم في حياتهم الروحية النسكية، حتى وصلوا..

لكن الأنبا أنطونيوس، أتته الدفعة الأولى من داخله.

ولما دخل إلى الرهبنة في أيامه، دخل إلى المجهول..

سار في طريق لا يعرف معالمه، ولا يعرف حروبه.

حاليا توجد كتب للرهبنة، يوجد بستان الرهبان، والعديد من الكتب النسكية، كتبها كبار الآباء عن الحياة الرهبانية، وتوجد أيضا سير الآباء المتوحدين والسواح. والذي لا يجد مرشدا، يمكنه أن يتعلم من الكتب..


أما في وقت رهبنة الأنبا أنطونيوس ترد على الذين يبررون في سقطاتهم، معتذرين بأنهم لم يجدوا أب اعتراف، ولا مرشدا روحيا، ولا قدوات صالحة أمامهم. لذلك سقطوا! هو ذا الأنبا أنطونيوس لم يجد شيئا من هذا كله، ومع ذلك سار في طريق الكمال بلا عثرة. وكان الرب يرشده.؟

إنه لم يكن أبا للرهبان فقط، إنما أبا للرهبنة ذاتها.

هو ذا الذي وضع أسسها وروحها، وقدم للعالم صورته.

وإن أردنا أن نفهم ما هي الرهبنة في أصولها، إنما نرجع في ذلك إلى الأنبا أنطونيوس..

لذلك كانت حياته ذات تأثير عجيب، أينما عرفت..

كانت سيرته مسكا لأنها كانت شيئا جديدا على العالم..

كانت حياته جديدة لم يعرفها العالم من قبل..

لقد أعطى العالم صورة جديدة عن طقس في الحياة لم يكن مألوفًا من قبل، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فكان الناس يأتون من أقاصي الأرض لكي يروا هذه الحياة الجديدة، وهذا الإنسان العجيب، الذي يسكن الجبال والمغاير والبرية القفرة، وتمر عليه ثلاثون سنة لا يرى فيها وجه إنسان، ومع ذلك فهو سعيد في وحدته وعزلته ونسكه..

كان أعجوبة في عصره. مجرد النظر اليه كان يفرح القلب..

كما قال أحد تلاميذه: [يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبى]. وكثيرون أحبوا الرهبنة لمجرد النظر إلى وجهه، واشتهوا أن يحيوا نفس حياته التي أعجبوا بها..

لقد كانت حياته،فى صمت، عظة جذبت إليه الكثيرين.

كانت حياة جديدة. لم تكن هروبا من العالم..

الأنبا أنطونيوس، كان شابًا غنيًا، وكان العالم منفتحا أمامه. كان يملك ثلاثمائة فدان من أجود الأطيان في الصعيد، وكان أبوه ذا مركز وسلطان، ويستطيع أن يرث أباه في المركز والكرامة. إن الدنيا لم تضق في وجهه ليهرب منها. فلماذا إذن تركها؟

إنه لم يهرب من العالم، بل أرتفع فوق مستوى العالم وكان هذا هو سر عظمته، وسر

إعجاب الناس به..

لقد أرتفع فوق مستوى الأطيان، فوق مستوى الغنى، وفوق مستوى السلطة، بل فوق مستوى العالم كله، بكل شهواته. وشعر أن العالم كله ليست له قيمة..




تفاصيل من لوحة محاربات القديس أنطونيوس، 1878، الفنان فيليسيان روب

وأعطى للناس درسا عمليا في تفاهة العالم، كما أعطاهم درسا مقابلا في اهتمام الإنسان بأبديته، قبل كل شيء.

وفيما كان الناس يتنافسون على ملاذ العالم وعظمته، وجدوا أنسانا يرتفع فوق هذا المستوى كله، وينظر إلى شهواتهم كتفاهات، ويحمل عصاه في يده، ويضرب بقدمه في البرية، خارجا من العالم بإرادته، واهبا كل أمواله للفقراء، لكي يحيا حياة الفقر الاختياري.. مع الله.


وكان هذا شيئا جديدا عل الناس.

وكان جديدا عليهم أيضا أن يسكن في مقبرة..

ومهما ضربته الشياطين فيها، وأخافته بكل طرق الرعب، يظل باقيا متحديا قوة الشياطين، قائلا لهم [.. وإن كان الله لم يعطكم سلطانا على، فلن يستطيع أحد منكم أن يؤذيني]..

إنسان يظهر له الشياطين بهيئة أسود وفهود ونمور، وبأصوات مفزعة، يحاربونه لكيما يخاف ويرجع. ولكنه يصمد. إنه فوق مستواهم، وفوق مستوى مقدرتهم وسلطانهم...

لقد أرتفع فوق مستوى الخوف،لا في المقبرة، ولا في الوحدة. لم يخف الشياطين، فخافت منه الشياطين..

وكان هذا شيئا جديدا على الناس، أذهلهم واستهواهم.

من هذا الذي يعيش في أعماق الجبل وحده، حيث الوحوش والحيات ودبيب الأرض، وحيث العزلة المخيفة، والوحدة المملة، وحيث حروب الشياطين؟! ومع ذلك فهو لا يخاف، ولا يل، بل يحيا سعيدا، مفضلا هذه الحياة على كل ملاذ العالم..!

رجل له قلب من حديد. دخل البرية ليس فقط بالنسك والزهد والصلاة، وإنما أيضا بشجاعة عجيبة.

إنه نوعية جديدة من الناس، لم يرها البشر من قبل.

أغلق على نفسه مغارة ثلاثين سنة، لا يستقبل أحد. وكان الناس يقرعون على بابه، ويتركون له بعض الحبوب والبذور، ويمضون لشأنهم.. وأخيرا لم يحتمل الناس البعد عنه. كان وراء هذا المجهول

شيء يستهويهم.

كان وراء بابه المغلق شيء يجذبهم..

فظلوا يقرعون بابه. ولما لم يفتح لهم، كسروا الباب ودخلوا، وقالوا له: نريد أن نعيش معك، ونحيا الحياة التي تحياها، بأية طريقة، نبقى معك تحت ظل صلواتك.


استهوتهم هذه الحياة المرتفعة عن مستوى العالم

واستهواهم هذا القلب، الذي يحيا وحده، مكتفيا بالله..

هذا القلب، الذي لا يحتاج إلى عزاء الناس، لأن عزاء الله يكفيه.. والذي لا يحتاج إلى أحاديث الناس،لأن الحديث مع الله يشبعه. استهواتهم حياته كلها، فبقوا معه..

هذه هي عظمة الأنبا أنطونيوس. لم يكن سرها ارتفاعه في فضائل معينة كأن يطوى بعض الأيام صومًا كالقديس مقاريوس الإسكندري، كلا بل كان لعظمته سبب أخر:

سر عظمته، أنه اكتشف طريقا، ما كان الناس يعرفونه قبلا. وأحب الناس هذا الطريق، وأحبوا الأنبا أنطونيوس معه.

كانت للأنبا أنطونيوس فضائل كثيرة. فكان مشهورا باتضاعه، وبصلاته، ومعرفته وإفرازه وزهده. ولكن ما أكثر من اتصفوا بهذه الصفات. أما الذي ينفرد به هذا القديس عن الجميع، فهو قيادته لطريق الرهبنة الروحي.

في فترة حديثة، كان البعض يتشاجرون ويصيحون قائلين:

"لا بد من أن يكون البطريرك من الرهبان..!"

أما في أيام الأنبا أنطونيوس، فلم يكن البطاركة من الرهبان.

كانت الرهبنة طقسا روحيا، أعلى من عمل الرعاية، حقا لم تكن أعظم من الكهنوت ورئاسته، وإنما كانت حياة أجمل، هي الأقرب إلى حياة الملائكة.. من الآباء كان يقبل أن يترك جمال الرهبنة ويصير بطريركا؟!

عاش الأنبا أنطونيوس 105 سنة، وعاصر بطاركة عديدين. ولم يصير من الآباء البطاركة، بل شماس من تلاميذه، هو الأنبا أثناسيوس صار بطريركًا. وبقى الأنبا أنطونيوس في حياته الروحية الحلوة. بكل عمقها، وكل ارتفاعها.

ساعة واحدة يقضيها مع الله، يمكن أن تنفع الكنيسة أكثر من جهاد سنوات وشهور في عمل الرعاية..

لما انتشرت البدعة الأريوسية، وصارت خطرا على الكنيسة، وظل القديس أثناسيوس يقاومها بالآيات والتفسير، وبالجدال اللاهوتي والحوار المنطقي، أرسل الآباء الأساقفة إلى القديس الأنبا أنطونيوس، لكي ينزل إلى الإسكندرية. لا للجدل اللاهوتي، فما كان رجل جدال، وإنما من أجل تأثير روح الله الذي فيه. فنزل القديس، وكان عمره حوالي المائة عاما. وقضى في الإسكندرية ثلاثة أيام كان لها تأثير عجيب عميق في الناس.

يكفى أن يسمعوا من فمه الطاهر أن الابن مساو للأب في الجوهر.. كلمة يقولها بلا جدال، تسندها حياته المملوءة قدسا المحبوبة من جميع الناس، تذكرنا بقول قائد المائة للرب: "قل كلمة فقط، فيبرأ غلامي" وكان الناس ينتظرون من الأنبا أنطونيوس أن يقول كلمة فقط. فقال وأحدثت الكلمة تأثيرها.

القديس الذي كان مرعبا للشياطين، أما كان مرعبا للهراطقة؟!

وبعد ذلك تقول سيرة القديس، أنه عاد إلى ديره، كغريب يلتمس وطنه. حقا كان العالم غريبا عليه.. غريبا على رجل الجبال والبراري والوحدة..وأبى الرهبنة الأصلية.

وصدقوني أن كلمة (رهبنة) ترجمة غير سليمة لحياة الوحدة.

إن كانت مأخوذة من عبارة: يرهب الله آي يخافه، فالقديس الأنبا أنطونيوس نفسه قال لأولاده:

[أنا لا أخاف الله. ذاك لآني أحبه، والمحبة تطرح الخوف إلى خارج] (1يو 4: 18). فبماذا نسمى الرهبنة التي قادها الأنبا أنطونيوس؟

الرهبنة هي حياة الملائكة الأرضيين أو البشر السمائيين.

الرهبان بشر يحيون حياة الملائكة، وهم على الأرض. وقد كان القديس الأنبا أنطونيوس هو أول الملائكة الأرضيين.

لي يا أخوتي مقر في دير الأنبا بيشوى، أقضي فيه نصف أو ثلث كل أسبوع. وفى أعلى هذا المقر، لي كنيسة خاصة أسميتها: "كنيسة الملاك ميخائيل والأنبا أنطونيوس هو رئيس الملائكة الأرضيين.

غير أن الأنبا أنطونيوس يتميز على الملاك ميخائيل بميزتين:

*الأولى أن الملاك ميخائيل، خلقه الله هكذا، ملاكا..

أما الأنبا أنطونيوس. فقد ولدته أمه إنسانا. ولكنه تحول بسيرته الطاهرة إلى ملاك، وأصبح في مقدمة الملائكة الأرضيين.

*والميزة الثانية أن الأنبا أنطونيوس ولد على الأرض، واستطاع أن يحول الأرض إلى سماء، والرهبان إلى كواكب، فسموه: "كوكب البرية" وسموا "تلاميذه كواكب البرية"..

لقد أكتشف الأنبا أنطونيوس أن الدنيا لا تساوي شيئًا. وهذا الاكتشاف عرفه قبله اثنان، وبقيا يعملان في الدنيا.

أولهما سليمان الحكيم، الذي قال أن الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس (جا 2: 11). ومع ذلك بقى سليمان حياته كلها يعيش وسط هذا الباطل.

والرجل الثاني هو القديس بولس الرسول، الذي قال: "خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح" (فى3: 8). ومع أنه عرف أنها نفاية، بقى في الدنيا من أجلنا، يخدم، لأنه ائتمن على وكالة. وهكذا عاش في الدنيا، ولم يعش في نفايتها.

سليمان بقى في العالم كملك، وبولس بقى كرسول.

أما الأنبا أنطونيوس، فلم يبق في العالم، ولو للخدمة.


أرتفع فوق مستوى الخدمة الأرضية التي كانت لسليمان، وفوق مستوى الخدمة الرعوية التي كانت لبولس. وعاش في الخدمة الملائكية التي كانت لطقس السارافيم.

وقدم لنا هذه الحياة نموذجا لطقس الملائكة الأرضيين.

كل راهب في الدنيا يعتبر نفسه أبنا للقديس الأنبا أنطونيوس، ليس الأقباط فقط، وإنما الكاثوليك أيضًا، وكل الأرثوذكس شرقيين وغربيين، وكل محبي الوحدة في العالم.. الكل يشتركون معا في محبته، وفى إكرامه،

وفى البنوة له.

لقد قدم للعالم كله حياة التأمل والصلاة، حياة الوحدة والسكون، حياة الزهد والتفرغ الكامل لله..

قدم لنا حياة جديدة، لا تستمد عظمتها من الخارج.

لا تستمد عظمتها من الألقاب، ولا من الجاه والسلطان، ولا من الوظائف، ولا من الكهنوت، ولا من الرعاية، ولا من العلم والجدل والمعرفة. إنما تستمد عمقها من الداخل، من الصلة الدائمة بالله، في حياة الروح.

هذا هو المنهج الجديد الذي قدمه الأنبا أنطونيوس. ونحن نكرمه كأب لهذا المنهج، ونقول:

مبارك هو الرب الذي منحنا الأنبا أنطونيوس.

وفتح لنا به بابا للسمائيات، وقدس أقداس وسط الجبال..

وقدس لنا رمل البرية، وتلالها، ومغائرها. وصارت مغارة الأنبا أنطونيوس مزارًا يتبارك به الناس من كل أنحاء العالم، ليروا مكانا حل الله فيه، مرافقًا للأنبا أنطونيوس ومباركًا.

ونشكر الله لأن الأنبا أنطونيوس فبل أن يقود الرهبنة. لم يصر أن يحيا وحده كالأنبا بولا، في عزلة كاملة عن العالم، يقضى حياته كلها لا يرى وجه إنسان..

مبارك هو اليوم الذي قبل فيه الأنبا أنطونيوس، أن يرشد آخرين، ويعلمهم هذا الطريق الملائكي الذي أختبره.

يتبع


التوقيع:

منتدى افامينا مطران جرجا المتنيح




  رد مع اقتباس
قديم 26-01-2013, 08:13 PM   #6 (permalink)
† خادمة منتدى افامينا †
 
الصورة الرمزية avamena
افتراضي

6- الأنبا أنطونيوس المعلم



كثيرون ترهبوا. وكثيرون كانوا قديسين، وسواحًا، ومتوحدين، ولم ينالوا شهوة الأنبا أنطونيوس.

الأنبا بولا السائح مثلا، ترهب قبل الأنبا أنطونيوس. وفى لقاء هذين القديسين، كان الأنبا بولا يخاطب الأنبا أنطونيوس بعبارة يا أبني، فيرد عليه بعبارة يا أبى. كان الأنبا بولا أكبر منه سنًا، وأقدم منه في هذه السيرة الملائكية. ولكنه لم ينل نفس الشهرة، لأنه لم يكن مثل الأنبا أنطونيوس أبا لرهبان كثيرين. ولم يكن مثله أبا لمدرسة من المدارس..

كان الأنبا أنطونيوس أبا لرهبنة. كان أبا لمدرسة رهبانية، لأول مدرسة رهبانية. وكان أبا لفكرة معينة انتشرت في كل مكان..

أنه لم يتزوج، ولم ينجب أبنا. لكن له مئات الآلاف من الأبناء. له أبناء في كل بلد من بلاد العالم. كل رهبان العالم أولاد الأنبا أنطونيوس.

عندما يدخل الأنبا أنطونيوس إلى الملكوت، يقول لله: "هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب" (إش8: 18)، يدخل وراءه ألوف ألوف، وربوات ربوات... لأنه أب لمدرسة.

تتلمذ عليه تقريبا كل قادة الرهبنة في مصر:

فمثلا كان من تلاميذه الأنبا آمون أبو جبل نتريا، أبو منطقة القلالي. وقد رأى الأنبا أنطونيوس روح الأنبا آمون وهى صاعدة إلى السماء، تزفها الملائكة في فرح..



وكان من تلاميذه أيضًا، القديس الأنبا مكاريوس الكبير، أتى وتتلمذ عليه وألبسه الأنبا أنطونيوس إسكيم الرهبنة. وأشتغل معه، وشهد له بقوله: [إن قوة عظيمة تخرج من هاتين اليدين]..


وتتلمذ عليه الأنبا بيشوى، أو الأنبا سيصوى (شيشوي) من أباء الجبل الشرقي، هو وتلاميذه. وتتلمذ عليه القديس الأنبا بولس البسيط، والأنبا بيساريون، والأنبا سرابيون.

وتتلمذ عليه القديس الأنبا ببنوده رئيس أديرة الفيوم. وقد كتب إليه القديس الأنبا أنطونيوس رسالته العشرين.

وتتلمذ عليه القديس الأنبا إيلاريون الذي نشر الرهبنة في سوريا وفى فلسطين.

وعندما كان يأتي إلى الأنبا أنطونيوس أحد من تلك المناطق يطلب إرشاده، كان يقول لهم في أتضاع: [لماذا تأتون إلى، وعندكم الأنبا إيلاريون؟].

وتتلمذ عليه شيوخ عديدون انتشروا في الأرض كلها..

ونشروا الرهبنة في كل مكان.. وأصبح الأنبا أنطونيوس أبا لفكرة، ولمدرسة، ولطريق حياة، أبا لمنهج روحي له فروعه في كل مكان..

وأطال الله عمر الأنبا أنطونيوس..

ولد سنة 251 م، ورقد في الرب سنة 356 م. وله من العمر 105 سنة شيخا كبيرا في الأيام..

العجيب أن الأنبا أنطونيوس، لم يتتلمذ عليه رهبان فقط..

إنما تتلمذ عليه أيضا البابا البطريرك..

كان القديس الأنبا أثناسيوس الرسولى البابا العشرون من تلاميذه. درس عليه الروحيات. تلقى عنه أيضا كثيرا من أفكاره اللاهوتية..


إن بعض العلماء، حينما يدرسون فكرة أثناسيوس اللاهوتية، إنما يرجعون كثيرا من أفكاره اللاهوتية إلى القديس أنطونيوس الكبير.

حقا إن هذا لعجيب..

والقديس أنطونيوس تتلمذ عليه كثيرون لم يروا وجهه أبدًا..

لقد تتلمذوا على حياته، على سيرته التي نشرها في الغرب القديس أثناسيوس الرسولى في كتابه:

(حياة أنطونيوس). وهذا الكتاب كان سببًا في انتشار الرهبنة في روما وفى بلاد الغرب. فترهب كثيرون هناك وأتى العديد منهم إلى مصر. لمجرد أنهم تنسموا حياة القديس الأنبا أنطونيوس.

وكان لهذا الكتاب تأثيره في هداية أوغسطينوس..

لقد تأثر أغسطينوس تأثيرًا عميقًا بسيرة القديس أنطونيوس، فتاب، وترك حياة الفجور، بل صار راهبًا وقديسًا.. ومصدرا من مصادر الحياة والتأملية في العالم.. بفضل سيرة الأنبا أنطونيوس.

والقديس الأنبا أثناسيوس الرسولى، كاتب هذه السيرة، حينما كان يذهب إلى آي مكان من بلاد أوربا، كانوا يسألونه عن أنطونيوس، وعن أخبار الرهبنة في مصر، وعن الرائحة الزكية التي تفوح من البرية.. وهكذا كان للأنبا أنطونيوس تأثير في أمكنة عديدة جدا لا توضع تحت حصر.

وكثيرون كانوا يأتون من بلاد الشرق والغرب، لكي يتتلمذوا على القديس الأنبا أنطونيوس في التدبير الرهباني.

وكان بعض الفلاسفة يأتون إليه، ويسألونه، ويحاورونه، ويندهشون كثيرا من علمه ومن ذكاءه..

لدرجة أنهم قالوا له في إحدى المرات: [أنت لا تملك الكتب، ولا تقرأ الكتب، فمن أين لك هذه المعرفة وهذا الفهم العجيب؟]..

فأجابهم بسؤال عجيب: [أيهما أسبق: العقل أم المعرفة؟ فلما قالوا له: العقل طبعا أسبق، أجابهم: إذن المعرفة يمكن أن يلدها العقل، بدون كتب..]!

وكان يقول: [أنا أن أردت معرفة شيء، أصلى إلى الله، فيكشف لي، وأتأمل في آيات الكتاب، فأفهم منها. فلا حاجة بي إلى الكتب].

وكما أن الناس كانوا يأتون من مشارق الدنيا ومغاربها إلى الأنبا أنطونيوس، يطلبون منه كلمة منفعة، يجعلونها دستورا لحياتهم.

كذلك فإن الإمبراطور قسطنطين الكبير أرسل إليه رسالة،

يطلب منه فيها بركاته وصلواته. ولما لم يقراء القديس هذه الرسالة لتوه. تعجب تلاميذه. فقال لهم: [لا تتعجبوا من هذا، بل تعجبوا بالأكثر أن الله يرسل لنا الرسائل كل يوم في كتابه المقدس، ونحن لا نسرع إلى قراءتها]..!

محاربته للأريوسية:

كان الأنبا أنطونيوس في نظر الناس نبعًا كبيرًا للقداسة، ومعلمًا كبيرًا للروحيات..

وكانت كل كلمة تخرج من فمه هي كلمة ثقة وصدق:

لدرجة أنه عندما انتشرت الأريوسية في الإسكندرية، نتيجة للشكوك العنيفة التي أثارها الأريوسيون ضد لاهوت السيد المسيح، طلب الآباء الأساقفة من القديس أنطونيوس أن ينزل لكي يقول كلمة فيسند بها تعليم البابا أثناسيوس الرسولى..

ونزل الأنبا أنطونيوس، إلى الإسكندرية، وهو فوق المائة من عمره، وقضى ثلاثة أيام، فيها ثبَّت الناس في الأيمان.

ويقول المؤرخون أن الأيام الثلاثة التي قضاها الأنبا أنطونيوس في الإسكندرية كان لها مفعول السحر في الناس وكانت أكثر دسما من سنوات عديدة في التعليم..

كانت كلمة التعليم تخرج من فم الأنبا أنطونيوس، تسندها قداسة سيرته، وتسندها المعجزات، وتسندها ثقة الناس به..

إنه رجل الله. فكل ما يقوله هو كلام من الله.


إن الشخص العادى حينما يتكلم، ربما يحتاج إلى أدلة كثيرة، وإثباتات وبراهين كثيرة لكي يقنع الناس، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. أما الإنسان القديس، الذي يشهد الله بآيات ومعجزات، الإنسان القديس الذي هو موضع ثقة الناس بروحياته. فيكفى أن يقول كلمة وينتهي الآمر..

هكذا كانت كل كلمة للأنبا أنطونيوس.. لها ثقل عجيب!

وكان الأنبا أنطونيوس يعلم، ليس فقط بالكلام، وأنما أيضا بالرسائل. وله عشرون رسالة، أرسلها إلى أولاده.

ترجمت هذه الرسائل إلى العربية، وهى موجودة في مخطوطاتنا في الأديرة، آخرها رسالته إلى تلميذه ببنوده.

وقد طبع البعض هذه الرسائل ونشرها.

وكانت موضع دراسة لعلماء كثيرين.

وللقديس أنطونيوس تعاليم كثيرة ضمنها بستان الرهبان:

خاصة بنصائحه إلى أبنائه الرهبان، في النسك والروحيات..

وله سيرته وحياته المقدسة التي كان يتغذى بها الناس.

وتعاليمه كانت إما في كلمات قليلة يرد بها.. أو في عظات طويلة كما في رسالته، وفى سيرته:

وله في كتاب سيرته التي وضعها القديس أثناسيوس، عظة طويلة قالها عن ضعف الشياطين، وأنه ليست لهم القدرة الخيالية التي يخشاها الناس لذلك لا داعي أبدا لأن يخافهم الناس ويرتعبوا منهم.. إنها عظة طويلة..

وكلمات الأنبا أنطونيوس كان لها تأثيرها، ليس في الأشخاص العاديين فقط إنما أيضا في شيوخ الرهبنة وقادتها ومرشديها.كانوا جميعا يعرفون أنه يتكلم بالروح القدس.

ولم تكن كلماته فقط نافعة للتعليم، أو سيرة حياته فقط نافعة للتعليم، وإنما حتى مجرد

ملامح وجهه..

زاره مرة ثلاثة من الرهبان، أخذ اثنان منهم يسألانه عن بعض أمور. أما الثالث فبقى صامتا. فسأله الأنبا أنطونيوس، لماذا لا يطلب شيئا مثل زميليه؟ فأجاب: يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبى

وقد قال القديس أثناسيوس عن الأنبا أنطونيوس: [من الناس كان مضطرب القلب أو مر النفس، ويرى وجه الأنبا أنطونيوس، إلا ويمتلئ بالسلام..]

لعله كان أيضا من مصادر السلام بالنسبة إلى الأنبا أثناسيوس نفسه في وسط ضيقاته الكثيرة.

وكان الأنبا أنطونيوس يحب الإفراز، آي الحكمة والتمييز والمعرفة:

ففي إحدى المرات سأله أولاده عن الفضيلة العظمى في الرهبنة. فقال لهم: إنها الإفراز، لأن كثيرين صاموا، وأضروا أنفسهم بصومهم. وكثيرين صلوا وفشلوا في صلواتهم، بسبب عدم الإفراز. وله عظة عن الإفراز في بستان الرهبان.

ذلك لأن الشخص الذي يقتنى الإفراز والتمييز، يستطيع أن يميز بين النافع والضار اللائق وغير اللائق. لذلك أهتم الأنبا أنطونيوس بفضيلة الإفراز. وهو أيضا كانت له هذه الفضيلة.

ولم يكن يفرح بالآراء بقدر ما كان يفرح بالعمل الروحي الفاضل، وبخاصة الباطني منه.

فى إحدى المرات زاره بعض الرهبان، وسألهم في تفسير رأيهم آية معينة، فأبدى كل منهم وجهة نظره. وكان الأنبا يوسف معهم فبقى صامتا. فسأله القديس الأنبا أنطونيوس عن رأيه في تفسير الآية، فأجاب: صدقني يا أبى أنى لا أعرف.

وهنا قال له الأنبا أنطونيوس: [طوباك يا أنبا يوسف، لأنك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف].

يتبع


التوقيع:

منتدى افامينا مطران جرجا المتنيح




  رد مع اقتباس
إضافة رد
مواقع النشر (المفضلة)
الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
للبابا, الانبا, الثالث, القديس, انطونيوس, تأملات, حياة, شنودة, فى, كتاب


« احدث معجزة للانبا انطونيوس | رسائل القديس اثناسيوس عن الانبا انطونيوس »

جديد مواضيع ♥ قسم خاص بالقديس الأنبا انطونيوس أب الرهبان ♥
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
تأملات روحية لقداسة البابا شنودة الثالث فى اسبوع الالام من دير الانبا مقار بوادى النط بطرس ♥ قسم تأملات قداسة البابا شنودة ♥ 3 30-04-2013 03:00 PM
كتاب سيرة حياة ومعجزات القديس العظيم الانبا مكاريوس اسقف قنا وقوص بنت الانبا مرقوريوس ♥ قسم الكتب المسيحية الارثوذكسية ♥ 1 03-02-2013 04:53 PM
كتاب السيدة العذراء {للبابا شنودة الثالث} بربارة ♥ قسم كتب قداسة البابا شنودة ♥ 13 30-08-2011 04:06 AM
كتاب تأملات فى عيد الصعود البابا شنودة الثالث avamena ♥ قسم كتب قداسة البابا شنودة ♥ 0 02-06-2011 06:09 PM
تأملات في قصة الميلاد للبابا شنوده الثالث abeer ♥ قسم تأملات قداسة البابا شنودة ♥ 0 22-02-2010 05:18 PM

Powered by vBulletin ® Version 3.8.6

Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd avamena.com

 الساعة الآن 06:24 PM.

جميع الحقوق محفوظة لمنتدى افامينا مطران جرجا المتنيح ... جـمـيع الآراء و المـشاركات الـمـنشورة في هذا المنتدى تعبر فقط عن رأى صاحبها الذى قام بكتابتها تحت إسم عضويته و لا تعبر بأى حال من الأحوال عن رأي منتدى افامينا

هذا المنتدى شخصى وغير تابع لاى جهة رسمية أو كنسية وغير خاضع لأى ايبارشية